رواية "سوناتا لأشباح القدس" هَشَاشَةُ الفَرَاش.. هَشَاشَةُ الأيديولوجية!! د. يوسف حطيني
نسخة للطباعةارسل الى صديق

لا ينفكُّ الناقد الروائي الحصيف يؤكّد بين فترة وأخرى على أن الدرس النقدي يجب أن يتوجه بالدرجة الأولى نحو كيفية اشتغال المبدع بعناصر السرد الروائي المختلفة، مبتعداً عن محاكمة النص على أساس رؤاه الفكرية. غير أنَّ المرء إذ يقرأ رواية "سوناتا لأشباح القدس" للروائي الجزائري واسيني الأعرج يعود إليه السؤال القديم المتجدّد حول علاقة الأدب بالأيديولوجية، ويستنفر حواس الناقد، ليسأله بجرأة: هل تستيطع أن تكون حيادياً تجاه إيديولوجية روائية تخدش، في بعض سياقاتها، جرحك الوطني وتعبث به، على الرغم من أنها تقدّم في حلة روائية قشيبة، لا تفتقر إلى انسجام بديع لمكوناتها السردية؟

تحكي رواية (سوناتا لأشباح القدس) حكاية مي: الفانة التشكيلية الفلسطينية التي غادرت فلسطين، وهي ابنة ثماني سنوات، نحو أمريكا حيث أصيبت في نهاية حياتها بالسرطان، فأوصت قبل وفاتها أن تُحرَق وأن يُذَرَّ رمادها فوق نهر الأردنّ، وفي حارات القدس، وأن تدفن عظامها في أمريكا حيث يقيم ابنها يوبا، ليجد قبراً يضع عليه ورداً كلّ ثلاثاء.


غير أن الرواية لا تستسلم لزمن حكايتها التقليدي، فتعبث عبثاً لذيذاً في ترتيبها تقديماً وتأخيراً، إذ تبدأ بوصايا الأم مي إلى ابنها يوبا الذي انتهى من تنفيذ وصية أمه، وعاد إلى بيته، ليتذكرها، وينبش ذكرياتها عبر كراستها النيلية، ومن ثمّ يعود السرد إلى زمنه الحاضر الذي يحكي حكاية الأثر الذي خلفته مي برحيلها.


وتمتاز الرواية بقدرة فائقة على استخدام لغة شاعرية بديعة لا تخدشها الذهنية إلا في حدود ضيقة، حين يتطلب الأمر توثيقاً تأريخياً، جَهَدَ الكاتب في أن يدخله في روايته عدة مرات، كما تمتاز بحسّ نقدي مرهف تجاه الفني والموسيقى، وتعرض هذين المجالين معلومات ثرة، قد ترتبك غير المتخصصين، إضافة إلى أنها قد تربك الرواية، ومنطقها الفني في أحيان قليلة.


وعلى الرغم من استخدام الكاتب ما أتيح له من خلال خبرته واطلاعه من فنون السرد لتقديم رواية مميزة، إلا أنّ القارئ يجد نفسه أمام مجموعة من الأسئلة التي تثيرها الرواية حول الوطن والهوية، إذ تبدو مي، وغيرها من الشخصيات مترجحة بين الوطن والمنفى، وبين التفاؤل والتشاؤم، وبين التمرد والخضوع، إلا أنها تقدّم في هذه الرواية سياقات مختلفة أقل ما يقال فيها أنها تثير الدهشة.

يذكر يوبا، ابن مي، في بداية الرواية، تحت عنوان "وصايا أمي" أنه لم ير القدس في حياته إلا ثلاث مرات، وسرعان ما يستنتج القارئ أنّ زيارتيه الأوليين كانتا عبر خياله؛ فالزيارة الأولى كانت عندما جرّه جدّه من أمه (سيدي بو مدين لمغيث الأندلسي) نحو حيّ المغاربة في عمق القدس. والزيارة الثانية كانت في ميلانو خلال عزفه السوناتا التي استعصت عليه زمناً طويلاً، إذ رأى أمَّه مي، وهي تعبر شوارع القدس، وتدور في حاراتها، وتصيح مثل أرخميدس: وجدتها.. وجدتها عندما تكتشف أنَّ ألوان القدس تتجمّع كلّها في جناحي فراشة

هاتان الزيارتان للقدس تتمان في خيال يوبا فقط، لأنّ جدّه توفي منذ زمن بعيد، ولأن أمه لم تزر القدس منذ غادرتها، أمّا المرّة الثالثة فقد كانت حقيقية إذ زار القدس محمّلاً بثلاث جرات رخامية صغيرة مليئة برماد أمه المعجون بنوار البنفسج البرّي، لينثره فوق أرض الوطن التي استيقظت في ذاكرتها.


ويستطيع القارئ أن يلمس بكثير من البساطة طغيان إيقاع الفقد على صفحات الرواية، وهو فقدٌ يتجلى في صورته الأبهى عبر الشوق الموجه في أغلبه نحو وطن سُرِقَ من مي، مثلما سُرقت أحلام الطفولة. فعندما ينثر يوبا الابن الجرة الأولى من رماد أمّه فوق نهر الأردن، يقرأ خطاب أمه المكلّل بالشوق والألم إلى النهر، وإذ ينثر الجرّة الثانية فوق القبور تخليداً لذكرى يوسف، يعبّر عن ارتداد موغل في الشوق نحو أيام الطفولة الأولى، وإذ يضع رماد الجرة الثالثة عند رأس قبر جدّته ميرا (والدة مي) فإنه يفتح جرح الشوق على نافذة الانتماء الذي حاول يوسف الذي ما زال حياً يحرس المقبرة، أن يحافظ عليه من خلال إعادة كتابة الأسماء على شواهد القبور بالطباشير، حتى لا تمحوها الريح والأيام.


إنَّ الشوق الذي جسدته مي بعد مماتها تجاه الأرض، لم تتخلَّ عنه، أو لم يتخلَّ عنها في حياتها، إذ توجّه نحو القدس سماء وأرضاً وبيوتاً وفراشات، وكان روحها المبدع، وهي الفنانة التشكيلية، يستشيط غضباً لأنها لم تستطع أن تنجز لون ماء النافورة في حديقتها في القدس، أو لأنها لم تجد اللون الحائل لسمائها، أو الألوان الداكنة لسوق القطانين. وتشعر بالفرح إذ تتحدث عن فراشات القدس: حيث مهرجان ألوان من فراشات القدس التي تدفع عنها ألم الفقدان، وتعيش أسعد لحظات حياتها حين تبتدع لوناً جديداً، تسميه فراشات القدس، ذلك اللون الذي أضحى رفيقها في غربة الروح.


"أصبح فراشات القدس لونها الأول الذي يندمج مع إشعاعات الشمس وهي تنهض من وراء بحيرة هودسون أو يدخل في تجاويف سماء تبحث عن فضائها وألوانها" ص84 في هذه الغربة تؤكد مي أن "أكبر محرقة يعيشها المرء هي أن تُسرَقَ منه أرضه، ويرمى على حواف المبهم" ص138، وتشكو من أن الناس لا يدرون أن المرء يعود إلى وطنه ليعيش فيه جزءاً جميلاً من العمر، ذلك الوطن الذي تذكرها به أوراق أشجار البلاطان في أمريكا حيث لونه الآجري قريب من لون القدس وحيطانها وتربتها، لذلك فهي إذ تكون في نيويورك تشمُّ، خارج الفضاء الجغرافي، رائحة فلافل أبو نجيب في القدس.


"لم أكن أرى نيويورك، ولكنني كنت منغمسة في أحياء القدس القديمة (...) كان يأتيني واضحاً صوت عمي أبو نجيب، وهو يمدح فلافله وساندويتشاته التي يملؤها بها: يا الله يا فلافل! طعم الغني والفقير، الصغير والكبير" ص148 وهي تقرأ الإصحاح الرابع والعشرين من الكتاب المقدّس، لأن فيه ذكراً لجبل الزيتون، حتى إن ابنها يوبا يشمُّ رائحة الأحياء المقدسية، وحارة الخبازين فيها، إذ يفتح الكراسة النيلية لأول مرة، لأن تلك الكراسة، وفقاً لما تطرحه الرواية، أكثر من مجرد كراسة عادية، إنها الخيط الوحيد الذي يربط مي بمدينتها الأولى، والذي يربطها بذكرى يوسف الذي كانت تنوي أن تخصص له مساحات الأوراق فيها، لذلك ضمتها إلى صدرها عند خروجها من القدس، إلى بيروت، ثم إلى أمريكا:"الكراسة الأخيرة التي ضممتها إلى صدري، وأنا أغادر بيت طانت جينا لنستقلّ أنا وخالي الأكبر أبو شادي القطار ثمّ السيّارة باتجاه بيروت. كانت رحلة طويلة ومتعبة، ولكني لم أنم إلا وكراستي على صدري". ص 186-187


لقد كانت ذكرى الوطن الأول تسكن قلب مي، لذلك أحسّت بفطرتها الطفولية عندما غادرت بيروت بحراً إلى أمريكا أن رائحة المنفى تزكم أنفها، تلك الرائحة التي تشبه رائحة "رماد الحرائق التي تأكل شجر العاعار، ورائحة الخميرة والعجائن القديمة، والورق الأصفر المنقوع في الماء، ورائحة الفئران الصغيرة" ص .195

لذلك كانت تحاول أن تنتصر على النفي بالتمرّد، حتى من خلال اسم صافو الذي أعطاها إياه خالها غسان بالاتفاق مع أبيها تيمناً بامرأة من هذه الأرض اسمها سوفو نيسبي، تمثل التمرّد ضد الاحتلال الروماني. كما كانت مي تحاول التمرد على النفي بإيقاظ الذاكرة عبر الأغنيات إذ يبدو النص الروائي مشغولاً بالأغنيات الحزينة التي تحيل على الماضي، فتذكر نشيد جدها سيدي بومدين المغيث الأندلسي، الذي ترى أنه ما تبقى لها من رحلة ثمانية قرون ونيف:
"لِيّام تمرض وتبرا، والصبر هو دواها...
آه... يا أسفي على ما مضى.
من ذاك الزمان اللي فات وانقضى...
آه يا فرقة الديار، ديار الأندلس،
ما هانوا علي... ما هانوا عليّ" ص28.
لذلك فإن مي تغني ليوبا أغنية لم يعرف معناها إلا في فترة متأخرة:
"مانيش منّا.. مانيش منّا
غير المانو صابني..." ص29
ويبدو الروائي، وشخصيته الرئيسة مي، غير مشغولين فقط بذكر الأغاني، بل بتكرارها أيضاً، لذلك نقرأ نص الأغنية الشعبية التالية مكررة في صفحات الرواية أربع مرّات:
"نامي نامي يا مانو...
أسرق لك من الثلج فستانه،
وحياة ربي سبحانُه،
لأعطي لك قلبي ووجدانُه.
نامي.. نامي يا مانو،
اللي يحبك ببوسك،
واللي بيكرهك، لا تحزني من شانو"
ولا نعترض هنا على إيراد نص الأغنية الشعبية، ولا على تكرارها في النسق الروائي، لأنَّ هذا من شأنه أن يكسر رتابة لغة الرواية، وأن يؤكد الهوية الوطنية والتراثية للشعب الفلسطيني الذي تنتمي إليه مي، ويناسب رؤية امرأة ترى في زيارة القبور محاربة للنسيان؛ إذ ليس ثمَّ أدعى للفخر من فنانة تتمسك بهويتها على هذا النحو الفريد، فتجترح لوناً لقدسها الحزينة، وتبث حزنها ونفيها لوحات تغص برائحة المنفى والفراق.

إن مثار الاعتراض يكمن هنا في ازدواجية النظرة التي تظلل رؤية ميّ، ومن حولها، للقدس، والذكريات، والمنفى، وللصراع برمّته، إذ ثمة ما يختلف عمّا سبق اختلافاً بيناً، ويثير تساؤلات مشروعة حول رؤية الرواية لموضوع الصراع حول فلسطين.


ثمة في الرواية صورة أخرى للقدس، وصورة أخرى للمنفى، وللمحتلِّ أيضاً، إذ على الرغم من الإصرار على تحريض الذاكرة عبر الطرق المختلفة، فإن ميّ تصف في إحدى السياقات الروائية هذه الذاكرة بال*****ة، لأنها "تضعنا أمام جراحاتنا في الوقت الذي تشاء" ص41، حتى إنها تحذّر ابنها يوبا من الاستغراق في الماضي، لأنَّ ذلك "خيانة للحاضر"، ص57، وهي تتنازل إيديولوجياً من مقولة "القدس خبز الله وماؤه. مدينة تكفي الجميع" ص33، إلى مقولة أخرى يلخصها قولها "أعرف أنَّ القدس لم تعد قدسي..." ص85.


وإذ تنظر في إمكانية تحرير الأرض تقول: "تعبتُ، وأندم كثيراً على أني لم أبقَ هناك، لا لتحرير الأرض، فهذه مسألة لم تعد واردة، على الأقل بالنسبة لي، ولكن للموت فقط، والتمزّق عند بوابات القدس". ص92-93.


مثل هذا الروح التشاؤمي الذي يوجه شخصية مي، ولا ندري مدى تطابقه مع رؤية الكاتب، يحلل الوقائع، فيرى ضمن الميزان المادي، أن التحرير ليس وارداً، متجاهلاً أن الثورات تنطلق وتستمر، دون النظر إلى موازين القوى المادية، ذلك أن القويَّ لا يثور على الضعيف في حدود المعلومات التاريخية التي نملكها. وإنّ ما يجعلنا نميل إلى اعتبار رؤية التشاؤم هي رؤية الروائي، وليست رؤية الشخصية فقط، الأصوات الأخرى التي تصبُّ في المصبِّ ذاته، فالخالة دنيا تقول لمي: "عن أي قدس يتحدثون؟ وعن أي ضفة غربية؟ وأيّ غزّة؟ كل يوم نحرم من جزء من الأرض على مرأى حكام الحروب الأقوياء" ص273.
ثم إن الخالة دنيا، ومن ورائها الروائي، تمسُّ أحد ركائز رموزنا الوطنية مسّاً فجّاً مباشراً، حين تشير إلى "المفتاح" الذي ما زال الفلسطينيون يتشبثون به، فتقول لميّ: "أرأيت المفتاح الخشن المعلق عند مدخل البيت؟ هل تعتقدين أنه سيفتح شيئاً يوماً ما؟ لا أعتقد. الأحياء تُسرق واحداً بعد الآخر، بعد سنوات قليلة لن يصبح لهذا المفتاح أيّ معنى، باستثناء التذكر والألم" ص273.


كما أنّ الخالة دينا تعيد الاعتبار للمنفى، بدلاً من أن تعيده للوطن، فتوجه نصيحة غريبة لمي، إذ تقول لها عن أمريكا: "الآن هذه أرضك، فيها تعيشين وعليها تموتين. لا تلتفتي وراءك كثيراً وإلا ستظلّين معلقة في الهواء مثل أجراس الكنائس القديمة" ص303-304، كما تقول لحسن والد مي الأمر نفسه: "لا تلتفت وراءك وإلا ستظلّ معلقاً في الهواء...." ص311.


غير أنّ ثمة حدث في الرواية، لا يمكن تسويغه وفقاً للمنطق الروائي ذاته، وهو أن تضرب مي صفحاً عن زيارة القدس، وهي التي تحمل الجنسية الأمريكية، بينما تزور الأندلس، على الرغم مما بينهما من تشابه، فكلتا الأرضين هما تراب الأجداد، وكلتاهما تعنيان الفقد لمي، لذلك يبدو غريباً أن تصل إلى الأردن وتقف هناك على الرغم من أنها تقول: ""أتمنى أن أرحل ولو بروحي وآخذ حفنة من تراب القدس وأشمها ثم أزرعها على الفراش وأتوسدها كأي درويش مأخوذ بسحر المبهم" ص386.


فحين يعرض عليها زوجها كونراد أن تدخل فلسطينها وقدسها، يورد الروائي النسق التالي: "لا.. قلتها ببرودة كبيرة، لا أحد لي هناك إلا القبور، ولا أريد أن ارجع لكي أزور القبور فقط ثم أنزوي مع أشباحي وأبكي. أريد أن أرجع نحو مدينة تمنحني الحياة وتغبطني في طفولتي الجميلة. أريد أن أرى مدينة تكون فيها أمي أول المرحبين بعودتي". ص390.


ويخيّل إليَّ أن الروائي انتبه إلى مأزقه هذا، فلم يجد بدّاً من العودة لتسويغه تسويغاً لا يبدو مقنعاً، ذلك أنّ كل ما تقوله مي عن القدس ينطبق على الأندلس في السياق الروائي، تقول مي: "لا أعرف جيداً لماذا أذهب إلى جدي الذي صارت عظامه تربة أكلتها القرون الأربعة الفاصلة بيني وبينه، ولا أزور مثلاً جدي وأخوالي وأرضي ومدينتي التي ولدتُ فيها (...) ربما كان الخوف هو السبب" ص503.
وثمة تساؤل صغير آخر خطر في بالي، وأنا أقرأ يوبا يقول بعد زيارة الأندلس مع أمه مي: "هذه الرحلة أفادتني كثيراً في كتابة السوناتا، ستحملُ من روحِكِ الكثير، سأسميها: سوناتا لفراشات القدس." ص437.
ترى لماذا سمّى الكاتب روايته "سوناتا لأشباح القدس" مضرباً عن اسم السوناتا نفسها "سوناتا لفراشات القدس"؟ أليس ثمة فرق بين الفراشات والأشباح، أم أن الأمر لا يعني سوى كونه تعبيراً عن الخواء الذي يخيّل للكاتب أنه يملأ النفوس؟


وثمة أمر أيديولوجي ظاهر في الرواية، ربما يشترك فيه كثير من الكتاب العرب الذين يعيشون في الغرب، أو يكتبون للغرب، هذا الأمر هو النظر بحيادية سلبية إلى الصراع في فلسطين، ورصد صورة الواقع كما هو الآن، دون محاولة لإدانة المحتل، كونه السبب الحقيقي لكلّ ما يجري من دماء في تلك المنطقة.
في هذ الرواية يبدي الروائي تعاطفاً مجانياً مع اليهودي الذي بكته جدة مي "عندما اقتيد إلى حمامات الموت والهولوكوست"، فالروائي يتعامل مع المحرقة بوصفها حقيقة تاريخية لا تقبل الجدال، حتى إنَّ مي تقول لأبيها متحدية عشقه لإيفا موهلر الألمانية: ""لقد أحرق أصدقاؤك النازيون، وأحباب إيفا موهلر، يهوداً أبرياء، وأبادوا الملايين فقط لأنهم يهود؟ هل تتصوّر هول الفاجعة" ص93.


ومن أسف أن مثل هذا التعاطف الحميمي لا نجده من المؤلف أو من الشخصيات نحو الشعب الفلسطيني، اللهم إلا في إطار العلاقات الشخصية والعائلية. وحتى يبرز الروائي "حياده السلبي" تجاه ما يجري في فلسطين، فإنه يورد منشوراً وزعته الوكالة اليهودية أواخر عام 1947، جاء فيه: "أنتم أيها العرب أبناء عم ساميين، حكّموا عقولكم، ولا تردّوا على زعمائكم من العرب، فكل له مصلحة، خاصة. انضموا معنا وسيروا على بركة الله لنقوم بتعمير البلاد من كلّ الوجوه ونسير فيها سوية كالإخوان" ص ص143-144.
وحتى لا يتبادر إلى ذهن القارئ أي سوء نية تجاه ما جاء في المنشور، فإن الروائي يورد في الصفحات التالية أحداثاً يحار المرء في تفسير سبب إيرادها، تقول مي: "وطلبوا مني أن أكسر زجاج أحد المحلات اليهودية ولكن الحجارة التصقت بيدي، ليس خوفاً، فتربية خالي غسان جعلتني لا أخجل ولا أخاف، ولكن لأن صاحب المحلّ كان صديق خالي غسّان، وكان يهودياً طيباً" ص144.


وبعد أن شارك والد مي في اقتحام جريدة بالستاين بوست التي كانت تبث أخباراً دعائية ضد العرب، وتصفهم بأقبح الصفات، تقول مي: "لم أصدّق أذني عندما سمعت أنّ والدي الطيب والمتسامح، يحكي عن العملية التي شارك فيها باقتحام جريدة بالستاين بوست بانتشاء (...) وحمل والدي يومها على الأكتاف قبل أن يغيب في حشد من الجموع ويصبح هدفاً للهاجاناه" ص145


فأيُّ تسامح كانت تنتظره مي، وأي تسامح كان ينتظره الروائي تجاه من سرقوا الأرض وانتهكوا العرض، وقتلوا والدة مي التي كانت طيبة وتحبّ الموسيقى والرسم؟ ولم تكن تحمل بارودة ولا سكيناً، وعلى الرغم من أنها كانت تكره حتى سكاكين المطبخ؟؟

بقي أن نقول إنَّ رواية واسيني الأعرج "سوناتا لأشباح القدس" تعدُّ رواية فنية من طراز رفيع، فهيَ تتعامل بحرفية عالية مع الموسيقى والفن، مع الصوت والرائحة، وكل عناصر الفضاء، وتتلاعب بالزمن الروائي تقديماً وتأخيراً، واسترجاعاً واستباقاً وقفزاً، وتفيد في تطوير الحدث من الكابوس والحلم والجريدة، وترسم الشخصيات بكثير من التفاصيل الغنية الموحية، مستخدمة لغة شاعرية، قلّما تجرحها ذهنية اللغة التوثيقية، وكان من الممكن للمرء أن ينظر بشكل تفصيلي في البناء الفني، لولا ذلك المجهول الذي استيقظ فجأة، ليوجه قراءة الرواية في الاتجاه الذي سارت إليه.